السبت، 7 ديسمبر 2013

مشهد مهيب

  للموت جلالة خاصة واحترام مقدس ووقع على النفس البشرية لا مثيل له ، أخبار الموت غير مستحبة لدى الجميع فلا أحد يحب أن يفقد عزيزاً لديه ، لكن أقدار العباد أمر مُطاع والصبر عند الابتلاء له حسن الجزاء .
  فى أحداث متلاحقة وصل الينا خبر وفاة والدة أحدى الصديقات ، تأثرنا كثيراً لخبروفاة هذه السيدة ربما لم نعرفها كثيراً لكنها أُم ، تحضّرنا لتجميع الأصدقاء لحضور العزاء بعد صلاة المغرب ، تقابلنا وتبادلنا التحية فى هدوء وقطعنا طريق الذهاب فى صمت .
  وصلنا قاعة العزاء وتناهى الى مسامعنا صوت القارئ لآيات الذكر الحكيم ، دخلنا لنجد صديقتنا عند مدخل القاعة والحزن قد غطى ملامح وجهها ، سلمنا عليها وأكدنا فى صوت خفيض حين اقتربنا منها أن "البقاء لله" ، دخلنا واحدة تلو الأخرى لنتخذ مواقعنا بجوار بعضنا البعض على المقاعد التى اكتست بالأغطية السوداء وكأنها هى الأخرى تعلن الحداد على من رحل ، جلسنا فى صمت ننظر الى الأرض تارة والى المكان من حولنا تارة والى صديقتنا التى كانت تستقبل المعزيين تارة أخرى .
  حفّ المكان هيبة الموت ولفّ الجميع صمت الفقد وكانت الأجواء تجبر الجميع -حتى وان كانوا ليسوا مقربين لصديقتنا- على السكينة المغلفة بالحزن فهيبة الموت لا يمكن التقليل من شأنها مطلقاً مهما كانت شجاعة الانسان .
  نظرنا الى صديقتنا التى اتخذت موقعها عند مدخل القاعة ووجهها يكسوه الحزن وتحدثت الى صديقة بجوارى أن نذهب لنأتى بها تجلس قليلاً الى جوارنا نتحدث اليها والا فكيف هو العزاء ان لم تشد على يد أخيك فى مثل هذه الأوقات العصيبة ، تحركنا فى هدوء اليها وجذبنا يديها لتتحرك معنا حيث يجلس بقية الصديقات واحاطها الجميع وانتظرنا حتى تتحدث وبدأت بالفعل حديثها بصوت يملؤه الشجن "تركتنى أمى هذا الصباح" ، ياه !! كم كانت تلك الجملة قوية فى وقعها عليّ ، كم كان لها من صدى ارتج له جسدى ...رحلت أمها ورحل أبى ورحلت شقيقتى وسأرحل أنا أيضاً يوماً ما فالرحيل منتهى رحلة الجميع مهما طالت حيواتهم .
  ضممت صديقتى الى صدرى ودون قصد انسالت دموعى وأدرت نظرى فى المكان حولى تجنبت النظر الى بقية الصديقات الللاتى كن يبكين أيضاً ولا أدرى لمَ؟ هل كانت الكلمات لها تأثير قوى عليهن أم أنهن تخيلن رحيل أمهاتهن فبكين مسبقاً على ذلك اليوم العصيب الذى حتماً سيأتى سواء شهدناه أم سبقنا الغاليات الى المستقر! ، تحدثت صديقتنا عن رحيل أمها وكيف كانت تتصرف قبل الرحيل بأيام قليلة وعن كلماتها وخططها للمستقبل وغير ذلك وجميعنا نبكى على الصوت الذى احتله الحزن بعمق وضرب الشجن على أوتاره معزوفة لا تُنسى ، وضعت صديقاتى أيديهن على جسد صديقتنا وأنا أضمها الى صدرى وكأننا نحاول أن نمتص جزءاً من حزنها أو أن ننقل بعض من وجعها الينا لنخفف عنها ..أليس هذا هو العزاء!! أليس هكذا يكون دعم الأصدقاء فى مثل هذه المواقف ..كان الموقف صعباً على الجميع وقوته لا يُستهان بها اطلاقاً ..أبكتنا صديقتنا جميعاً وتأثرنا لذلك الحزن الذى حلّ عليها دون أن يعطى انذاراً لكننا جميعاً لدينا أحزاننا الخاصة أيضاً فمن منّا لم يفقد عزيزاً لديه من منّا لم يشهد رحيل شخصاً عاش معه ولو بضعة أيام من منّا لم يقف فى تلك الصلاة التى لا ركوع فيها ولا سجود يسمع صوت الدموع تسقط على الأرض وأصحابها يحاولون تهدئة صوت أحزانهم لسماع صوت الامام فى آخر لحظات تجمعهم مع من أحبوا فوق أرض واحدة !! يا لتلك الحياة نجوب أرجاء الأرض ونسعى ونحلم ونتمنى ونرحل مودعين الغير تاركين اياهم دوننا حتى يحين موعد اللقاء! ، حاولنا تهدأتها بالكلمات ولكن أى كلمات جريئة يمكنها أن تقف فى مواجهة حزن كهذا وتجبره على التراجع ولو قليل ، أى كلمات كانت قوية بالدرجة التى يمكنها حمل الوجع عن قلب فقد غالياً بل والشخص الأغلى على الاطلاق فى الحياة فهى التى أتى اسمها فى آيات الكتاب الحكيم وأوصانا رب العباد على برّها طيلة الحياة وكانت طاعتها ثواباً لنا واسعادها درباً من دروب الخير وخدمتها شرفاً ، هى التى تحت أقدامها الجنة وابتسامتها تعطى الحياة معنى وقيمة هى الصدر الذى يحمل الهمّ دوماً عنّا والعقل الذى نحتله طوال اليوم والقلب الذى نتربع فيه دون منافس ...هى التى لا تعوض ولو أعطانا الزمان أكثر مما حلمنا به .
  هدأت صديقتنا رويداً رويداً وعاودنا الجلوس الى جوارها فى صمت وبعد دقائق أنتهى القارئ وطالب الجميع بقراءة فاتحة الكتاب الكريم ، قرأنا ودعونا لمن رحلت ولجميع من سبقوها من المسلمين ووقفنا نسلم على صديقتنا ونقبلها ونطالبها بألا تترد ان احتاجت شيئاً منّا ونبتسم ابتسامات خفيفة فى وجهها ، ثم غادرنا القاعة فى صمت واحدة تلو الأخرى لنجتمع ثانية استعداداً لرحلة العودة معبأين بمشهد يتكرر مع اختلاف الأشخاص فى حياة كل منّا ، مشهد لا يتوقف عند خروجنا من تلك القاعة ولا يتوقف عند هذه الصديقة بل انه يزور الجميع حتى النهاية ، أدعو أن يحسن الخالق خاتمتنا جميعاً وأن نلقاه وهو راض عناّ وأن يرحمنا ويغفر لنا ذنوبنا وتقصيرنا وأن يهدينا الى صراطه المستقيم وكيف لا نرجوه وهو الكريم الغفور الرحيم وهل لنا سواه ندعوه ونثق فى اجابة دعوانا ، رب اغفر لى ولوالدى وللمؤمنين يوم يقوم الحساب .


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق